|
نبيل عمـر رحلة إلى الله على طريقة كارل ماركس
السبت 16 نوفمبر 2002 10:36
كنت في برلين الشرقية في صيف 1989، قبل سقوط سورها الشهير بثلاثة أشهر، حين جلست إلى الدكتور هانز ولفجانج والدكتورة كريستين فيلش ، والأستاذ أحمد الجندي مدير تحرير جريدة الأخبار والسيد محمد أبو سالم نائب رئيس جمعية الصداقة المصرية الألمانية، نتحدث في موضوعات شتى، من الموسيقى إلى الرسم، ومن الشعر إلي المسرح، ومن الفلسفة إلى الأدب، ومن النساء إلى النبيذ، ونلتمس الفروق بين الثقافة العربية المعطرة بالعاطفة والانفعال والثقافة الألمانية الغارقة في العقل والأسباب،وفجأة سألني دكتور ولفجانج المكلف من وزارة الخارجية بأن يرافقنا في جولاتنا: هل تؤمن بالأديان؟
فسألته بدوري: ماذا تقصد بلفظ الأديان؟
قال: كل الأديان..اليهودية والمسيحية والإسلام والبوذية والهندوسية..الخ؟
ضحكت قائلا: يبدو أنك تود أن تقودنا إلى عبارة كارل ماركس الذائعة الصيت وهي أن الدين أفيون الشعوب.
فرد على بصرامة ألمانية لا تخلو من أدب بالغ: بالقطع..الدين هو أفيون الشعوب، وهو أكبر تجارة عرفتها البشرية في تاريخها كله.
قاطعته: مجرد رأي فيه كثير من الثورة على أوضاع طبقية سادت أوروبا لفترات طويلة وتحصنت بالدين والكهنوت لتصون امتيازاتها، لا أنكر أن الدين قد استغل استغلالا مشينا من رجال سياسة ورجال دين وأصحاب ثروة في توطيد أوضاعهم، وتسبب هذا الاستغلال في مظالم ومآسي وأوضاع مقلوبة وأحيانا في تراجع عقلي وفكري وحضاري، لكن استغلاله لا ينفي قيمته ورسالته السامية من أجل إسعاد البشر..وخذ الإسلام مثلا، فقد قاد جماعة من البدو الحفاة إلى قمة الحضارة الإنسانية بالسلوك والقيم السامية.
فقال: أذن أنت تؤمن بالدين؟
قلت: الأديان السماوية فقط
فسألني : ومن أدراك أنها من السماء؟
فسألته: ومن أدراك أنها ليست من السماء
قال: هي أقرب إلى الحكايات والأساطير المغلفة بدعوة إلى الأخلاق
قلت: حكايات الأقدمين في الكتب السماوية ليست أساطير، بل هي وقائع وتاريخ وتجارب وخبرات، مشاعل على طريق الحياة تبدد الغموض وتشع نور العبرة والموعظة قال: هل تريد أن تقول إن الإسلام دين من السماء؟
قلت بهدوء: يقينا..ودون ذرة شك واحدة
فقال: وما دليلك أو حجتك العملية
سكت برهة ورحت أفكر وأسأل نفسي: ما نوعية الدليل الذي يمكن أن يقتنع به ماركسي ملحد ينفي الدين من أساسه، ولا يؤمن إلا بالبراهين المادية الدامغة وفجأة لمعت في عقلي فكرة مثل ضوء برق قادم من بعيد، فكرة تبدو مستحيلة لكنها راقت لي..فقلت متحديا: المنهج الماركسي نفسه الذي تأخذونه حجة على إنكار الدين، هو أكبر قرينة على أن الإسلام دين من السماء وأن محمدا رسول من عند الله
حدق ولفجانج في طويلا ثم أشاح بوجهه عني ممتعضا كما لو أنه ينهي الحوار المستحيل، لكن الدكتورة كريستين فيلش وهي حاصلة على درجة الماجستير في الأدب العربي خلاف درجة الدكتوراه في النظرية الماركسية قالت بعربية مكسرة: أنت تبالغ أو تضحك علينا
قلت: لا هذا ولا ذاك..بل العكس هو الصحيح
سألت بجدية: كيف؟
قلت: المنهج الماركسي في التفكير والتحليل يعتمد على الاستقراء ويستند إلى التطور المنطقي الطبيعي للأفكار والتاريخ والقيم والنظم
قال: نعم
قلت: إذن نطبق المنهج الماركسي في التحليل على الدين الإسلامي وكتابه هو القرآن ولنري..هل هو قادم من السماء أم هو من اختراع إنسان
انتبه الحاضرون ولفهم الصمت والترقب، لكن لاح على وجوههم عدم التصديق قبل أن أنطق بحرف واحد، وكان ترقبهم أشبه بالشغف الذي يملأ قلب متفرج يشاهد ساحرا يمارس ألاعيب الخداع البصري أو ينتظر من أحد الحواة أن يضع الفيل في المنديل، ولم لا.. وليس لديهم ما يخسرونه ونحن جلوس نتناول المرطبات ونمضغ الوقت، في كافتيريا تطل على شارع تتناثر فيه أشجار الزيزفون بإسراف جميل
قلت: علينا أن نبدأ بسؤال بسيط للغاية: هل الإسلام طفرة في الفكر والقيم والتشريعات والعلاقات التي نظمها بين الناس من زواج وقيم ومعاملات وحقوق وواجبات أو هو مجرد تطوير ونقلة إضافية في سلم المعرفة البشرية من قيم وعلاقات. هل هو حالة فريدة من المعارف الروحية والمادية لا نظير لها في التاريخ الإنساني تفوق ما عرفه البشر قبل بزوغ شمسه في الجزيرة العربية أم حالة متكررة في رحلة الإنسان للتطور المعرفي تحدث كلما توفرت لها ظروف ثقافية وحضارية مواتيةبمعني..إذا كان الإسلام طفرة في تاريخ البشر..فمن أين جاء
وإذا كان مجرد مرحلة في مدارج التطور..فكيف حدث هذا
لكي نفهم ما جاء به الإسلام، علينا أن نتعرف أولا على البيئة التي سطع فيها، وهي بيئة جاهلية صحراوية بدوية رعوية شديدة التخلف بالنسبة لزمانها، قبائل متناحرة وتراكيب اجتماعية بسيطة وثقافة فقيرة عمادها الشعر والفخر وشرف القبيلة، وعلى تخوم هذا البيئة تنتصب حضارتان تسودان العالم، حضارة الروم وحضارة الفرس، فنون وآداب وعمارة وثقافة ومدارس فلسفية وجيوش منظمة، ثم ترقد بقايا حضارة اليمن القديم في جنوب الجزيرة العربية.
وإذا اقتربنا من مركز الدائرة وأقصد مكة وأهلها، قد تزيد درجة أو نصف درجة من الناحية الاقتصادية عن سكان البادية، ولها مصدر أساسي للرزق، رحلتان للتجارة إلى الشام واليمن صيفا وشتاء..والتجارة تقوم على زوار الكعبة الذين يتوافدون عليها من كل أنحاء الصحراء المترامية.
كان هؤلاء العرب الأجلاف يعيشون في جزيرتهم شبه منعزلين عن العالم لا يطلون عليه إلا نادرا، ولا يعرفون من أمره إلا القليل، حسب ما تبيحه الرحلتان وبضع شيوخ ثقاة مغرمين بالمعرفة مثل ورقة بن نوفل وغيره.والنبي محمد نفسه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب، وإن كان بعض الباحثين قد زعموا أنه عرف القراءة والكتابة، لكنه بالقطع لم يعرف لا لغة الفرس ولا لغة الروم، وبالتالي لم يطلع على معارفهم من فنون وقوانين ونظم.
ولم يعرف عن العرب في تلك الفترة أو قبلها أنهم ركبوا البحر إلى الهند أو الصين، لينقلوا عن هاتين الحضارتين القديمتين ما أبدعاه من معارف ومن فنون، وكان الساحل الشرقي للجزيرة العربية، وخاصة في سواحل التقاء المحيط الهندي بالخليج مرافئ لسفن القراصنة، وعموما عاش سكان سواحل الخليج بعيدين عن الأحداث داخل شبه الجزيرة، دون تأثير متبادل وفعال بين الطرفين.
ما أود أن أقوله إن معارف العرب الساكنين الساحل الغربي لشبة الجزيرة كانت محدودة للغاية، بل يمكن تشبيه هؤلاء العرب في معيشتهم وانعزالهم عن ثقافات العالم من حولهم، مثل القبائل الإفريقية التي تسكن قلب القارة وتعيش على حالتها الفطرية بعيدا عن العصر الحديث تماما.
باختصار..كان العرب حالة بدائية من الحضارة، بلا صلات أو روابط فعلية نشيطة مع حضارات الآخرين السابقين عليهم أو المحيطين بهم، لا علم لهم بقوانين وتنظيم علاقات ومعاملات أي مجتمعات حولهم.
وقد مضت أيام "محمد" قبل الرسالة مثل بقية أهل مكة من الناحية الحضارية، وإن اختلفت في تفاصيل إنسانية تتعلق بمكارم الأخلاق ورجاحة العقل وسمو النفس ورفعة المكانة. فإذا نظرنا إلى القرآن الكريم وتفحصنا ما ورد فيه من أحكام في المعاملات والعلاقات والحقوق والواجبات، فعلينا أن نسأل سؤالا بديهيا: من أين يمكن لمحمد أن يأتي به؟...خذ مثلا الميراث كما جاء في القرآن، فقواعده غير مسبوقة لا في أي دين أو حضارة أو ثقافة، لا في الحضارات القديمة من مصرية أو فينيقية أو هندية أو صينية، ولا في الحضارات المعاصرة له من فارسية أو بيزنطية..أحكام الزواج والطلاق من أول الخطبة إلى التسريح بإحسان، حكايات الأنبياء التي لم يرد ذكرهم إلا في القرآن مثل ذي الكفل، من أين عرف محمد بأمرهم؟ ومن علمه حكاياتهم؟
إذن نحن أمام تشريعات لم يعرف مثلها البشر من قبل، تشريعات تحكم علاقات شديدة الخطورة على سلامة بنيان الجماعة الإنسانية، كعلاقة الرجل والمرأة، الرعية وولي الأمر، التكافل بين أفراد الجماعة بشكل منظم غير متروك لرغبة الفرد، حقوق الإنسان وواجباته تجاه الآخر، الإنسان الحر المتساوي وليس المنقسم إلى مقاتلين وسادة وعبيد عند فلاسفة اليونان وهم يبحثون أمور الجمهورية في محاوراتهم الفلسفية.
لا أريد أن أطيل عليكم، لكن المؤكد أن ما جاء بالقرآن هو معارف روحية ومادية مقطوعة الصلة بثقافة أهل الجزيرة، ومتجاوزة بفراسخ كل ما ورد في الحضارات السابقة والمعاصرة، ويحتوي على أحكام في العلاقات والمعاملات مستحدثة تماما، والبشر معتادون على صناعة الأحكام لحياتهم كي تلائم ما يستجد في الواقع ولا يجدون في معارفهم ما يفسره أو ينظمه، ولم يحدث أن وضعت جماعة إنسانية أو فرد قانونا أو أحكاما لأشياء لم تصادفهم فيها مشكلات تستوجب حلا مبتكرا، لأن حركة الإنسان الفرد في تطورها دائما أسبق من الجماعة، وكلما استجد نشاط أو سلوك يلاحقه المشرع بالحل.
من كل ما سبق يمكن أن نصف الدين الإسلامي بأنه قفزة غير مسبوقة في حياة سكان الأرض.. فمن أين جاء؟الإجابة ببساطة من قوة أكبر وحكمة أعظم من الإنسان بكثير، قوة لا نراها لكن نستشعر وجودها العظيم حولنا، هذه القوة العظيمة هي الله سبحانه وتعالىوالسؤال التالي هو: وكيف أوصلت هذه القوة العظيمة رسالتها إلينا؟..من الذي أبلغنا بالقرآن وهذه الآيات المحكمات والأحكام الواردة فيها والمرسلة من الله؟
ببساطة أيضا..عن طريق بشر منا..هو رسول هذه القوة العظيمة إلينا..نبي الله، ومحمد هو الذي أبلغنا الرسالة فهو رسوله.ران صمت على الجالسين، فقلت للدكتور ولفجانج: أليس هذا هو المنهج الماركسي الذي تؤمن به قال: نعم..وما تقوله فيه كثير من المنطق والحجة، لكنني لن أستطيع أن أرد عليك لأنني لم أقرأ القرآن ولا أعرف الإسلام.
قلت له ضاحكا: ها أنت تعترف بخطأ فاحش في حق الدكتوراه التي تحملها..فكيف تحكم على دين لا تعرف عنه شيئا وتنكر ما لا علم لك به، أنت مثل أغلب الغربيين يتعاملون مع الإسلام بالسمع أو بتصيد الأخطاء التي يرتكبها المسلمون الآن وهم في حالة تخلف وضعف مزرية.
فرد: أعدك أن أقرأ في الإسلام بجد.
وعدت إلى القاهرة وباعدت بيننا الأيام، وسقط سور برلين واختفت ألمانيا الشرقية من الوجود ولم أسمع بعدها أبدا بالدكتور هانز ولفجانج، ولا أعرف هل قرأ أم ظل على عناده؟. لكن المؤكد أنه لم يعد ماركسيا بعد الذوبان في المجتمع الألماني الرأسمالي.
نقلا عن إيلاف
|